إلى جانب المقالات والكتب الكثيرة التي أُلّفت حول موضوع الديمقراطية الدينية، عُقدت مؤتمرات وأُلقيت محاضرات عديدة تناولت هذا الموضوع تنظيرًا أيضًا. بعض هذه الأعمال تناولت الفروق القائمة بين نظام الديمقراطية الدينية وسائر الأنظمة، فيما تطرّق بعضها الآخر إلى أدلة شرعية هذا النمط من النظام السياسي. في هذا العدد، نسعى -إلى جانب توضيح النماذج التجريبية والعملية لهذا النظام- للإجابة عن الأسئلة الآتية: ١) هل ورد ذكر لمثل هذا النظام في المصادر الدينية والفقهية الإسلامية؟ ٢) هل جُرّبت الديمقراطية الدينية في البلدان الإسلامية؟ ومع ما تتيحه التكنولوجيا في العصر الحديث، هل جرى تطبيق هذا النظام بصورة صحيحة؟ وهل حقق نجاحًا عمليًا؟ ٣) ما هي أركان نظام الديمقراطية الدينية؟ ومن اللافت أنّ علماء الشيعة قد ناقشوا منذ زمن بعيد أبعاد هذا النظام نظريًا وعمليًا، وتحدّثوا عن الركيزة الأساسية فيه في عصر الغيبة، أي «ولاية الفقيه» ودورها في الديمقراطية الدينية. ومن بين مباحث الديمقراطية الدينية، تبرز الأهمية الخاصة لتجسيدها العملي على يدي إمامي الثورة الإسلامية. فقد عمل الإمام الخميني على توضيح هذا النظام تحت عنوان الجمهورية الإسلامية، ساعيًا إلى تقديم تعريف صحيح للديمقراطية الدينية. فيما واصل قائد الثورة هذا النهج، وجعل هذه الديمقراطية الدينية واقعًا ملموسًا. ومن ابتكارات الإمامين تصدير هذا النظام السياسي وتعريفه للعالم تحت عنوان «خطاب الثورة الإسلامية». وقد فتح هذا الخطاب المرتبط بتمدّن الثورة الإسلامية بابًا جديدًا في ميدان السياسات المعتمدة لدى الأنظمة الحاكمة في الغرب والشرق. ومن أبرز خصائص نظام الديمقراطية الدينية: - جعل التوحيد أساسًا لمعرفة الله في جميع مجالات الحياة الاجتماعية للإنسان. - إسناد المسؤوليات إلى أفراد مؤمنين ملتزمين وواعين. - إشراك جميع شرائح المجتمع، ولا سيما النساء، في ميدان اتخاذ القرار والعمل الاجتماعي. لقد سعى الاستكبار العالمي وأعداء الإسلام بمختلف الوسائل إلى مواجهة خطاب الثورة الإسلامية، وحاولوا دومًا أن يحولوا دون وصول صوته إلى أسماع الشعوب الأخرى. واليوم، وبعد أن أخفقوا في مواجهة هذا الخطاب، ركّزوا جهودهم على تحريفه وإخراجه عن مساره الأصيل. وفي هذا الإطار، حاولوا الترويج لفصل الدين عن الديمقراطية الدينية والدعوة إلى النظام العلماني، فاقتربوا بذلك نسبيًا من أهدافهم، وسعوا لاحقًا إلى إقصاء هذا النمط من الديمقراطية. غير أنّ مساعي الإمامين وثبات شهداء الإسلام والثورة الإسلامية في ميادين مختلفة، كانت ولا تزال منصبّة على ألّا يُستبعَد عنصر الدين من الديمقراطية الدينية، بل التأكيد أنّه يشكّل تمهيدًا لتعريف المجتمع المهدوي النموذجي، تمهيدًا للوصول إن شاء الله إلى الحكومة العالمية لذلك الإمام.