الأسرة في الإسلام

کلام الرئیس التحریر

المؤلف

مدير تحرير مجلة (المصطفی)، جامعة المصطفى العالميّة، قم، إيران.

10.22034/j.miu.2022.7816

المستخلص

كانت (الأسرة) علی مدی التاريخ هي المؤسّسة الاجتماعيّة الرئيسة وأساس المجتمعات وأصل الثقافات والحضارات والتاريخ البشريّ، ویولي الإسلام بوجهٍ خاصٍّ، كمدرسةٍ إنسانيّةٍ، أكبر قدرٍ من الاهتمام لموضوع الأسرة؛ حیث يعتبر هذه المؤسسة المقدسّة مركزًا للتربیة؛ فهو يرى أنّ السعادة والشقاوة للمجتمع البشري تعتمدان على صلاح هذا البناء أو فساده، ویعتقد أنّ الغرض من تكوين الأسرة هو توفير الحاجات العاطفيّة والروحيّة للإنسان، بما في ذلك تحقيق السکون والاطمئنان.
يحتوي القرآن الكريم على آياتٍ مختلفةٍ في هذا الصدد، التي تتحدّث عن سکن کلٍّ من الزوجين إلی الآخر، والحقوق المتبادلة للآباء والأبناء تجاه بعضهم البعض، وما إلى ذلك، والتي تُشكّل معًا تعليمات شاملة لتحقيق أسرةٍ إسلاميّةٍ وقرآنيّةٍ.
وقد وردت كلمة (البيت) ومشتقاتها 71 مرة في القرآن الكريم بصيغة المفرد والجمع (البیت والبیوت)؛ اثنتا عشرة منها بمعنی بيت الله، أي الكعبة، واثنتان بمعنی البيت العتيق، ومرّة بمعنی البيت المعمور، وجاء في الباقي بمعنی المنزل، أي بيئة الحياة الأسريّة.
وبالنظر إلى العديد من الآيات القرآنية التي تتناول كلمة البيت، يتبيّن أنّ هذا المكان المحدود المسقَّف، وهو مكان الاجتماع البشريّ والحياة الجماعيّة والبيئة الأولى للرشد والتربیة، کان محل عناية الحق تعالی، ونظرًا لتأثیره ودوره في حياة الإنسان له أهمیّة وآثار عظیمة، وفيما يلي ذکر بعض منها:
محلّ السکن والاطمئنان
إنّ أوّل وظيفة للبیت هو تأمين السكينة لأهله جسدیًّا وروحیًّا، وهذا بالطبع مرهونٌ بتوفیر الأمن الشامل لهذه البيئة، إنَّ المساحة المحدودة والآمنة للبیت هي مساحة للتعبير عن المشاعر والبوح بالأسرار وإشباع الغرائز وتلبية الحاجات الجسديّة والروحيّة للبشر، وينسب الله هذا السكن والأمان لنفسه؛ حیث يقول: {وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا}.[1]
لفظة (السكن) تعني كلّ ما یَسکن إليه الإنسان ویستأنس به،[2] إنّ الإنسان بالإضافة إلى الحاجة إلى السکن في البیت، يحتاج إلى مكان لتسکین الآلام الروحیّة، والتخلّص من بعض القيود الاجتماعيّة، وأخذ الراحة کما یشاء، وخلوة الاهتداء، ومناجاة الله والتفرّغ إلی الأهل والمحارم، وإذا لم یوفّر البیت هذه الحاجات، فلن يكون مسكنًا.
محلّ الذكر وتلاوة الآيات السماويّة
{وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ وَالْحِكْمَةِ[3] إنّ الآية موجهة إلى زوجات الرسول الأکرم|، ویستفاد منها عدّة نقاط، منها: الفضائل التي یحصل علیها المرء من خلال البيت والأسرة قيّمة جدًّا، ويجب الحفاظ عليها وتطبیقها في الحياة.
ومن المؤكّد أنّ آل بيت الرسول| هم أسوةٌ لجميع الأفراد والعائلات، فيجب أن يكونوا أحرص من غیرهم على امتثال أوامر الله، وعلى كلّ إنسانٍ أن يکون حامیًا لأهله ومنزلتها وسمعتها.
یعدّ البیت کبيئة للأنس والهدوء مكانًا قابلًا للاحترام والعناية، فإذا أصبح هذا المكان معبدًا لذكر الحقّ وعبادة الله، فإنّ الله یرفع قدرها ویعظمها تعظیمًا، كما قال تعالی لرسوله|: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ}.[4]
موضع العلاقة القدسيّة
إنّ الرفعة والعظمة الحقيقيّة خاصّة بالله سبحانه وتعالى، والبيت إذا وقع مسجدًا لله ومحلًّا لتسبیحه تعالی یصبح عظیمًا ورفیعًا، والمستفاد من الآية السابقة وکذلك تفسير المرحوم العلامة الطباطبائي+ أنّه إذا تنزّه البيت من كلّ قذارةٍ ورجسٍ وتزيّن بذكر الله وعبادته ینال رفعة وعظمة، ويخرج من کونه مجرّد أربعة جدران باردة لا روح لها، وكلما زادت صبغته الإلهيّة والمعنويّة زادت مكانته عظمة وعلوًّا، ومصداقها الأعظم هو الكعبة، بيت الله الحرام.[5]
يقول الله تعالى: {فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً[6] والمراد بعبارة «سلّموا علی أنفسکم» هو التسلیم على أهل المنزل، والسبب في عدم ذکرهم في الآیة هو لأنّ المسلمين في وحدتهم کنفسٍ واحدة؛ لأنّ جمیعهم بشر خلقهم الله من ذکر وأنثی.
بالإضافة إلى ذلك، فإنّهم ​​مؤمنون جمیعًا والإيمان يجمعهم؛ لأنّه أقوى من أيّ عاملٍ آخر للوحدة، وقول الله تعالى: سلّموا على أنفسکم (أهلیکم)، وبما أنّ السلام هو تعبير عن تحیّة مبارکة إلهیّة، فإنّ أفضل طريقة لإقامة علاقة بين أفراد الأسرة هي تحیة أحدهم الآخر بالسلام وذکری الله فیما بينهم، وإن أقيمت هذه العلاقة المقدّسة في البیت، فلا شكّ أنّها ستمتدّ إلى المجتمع أيضًا؛ إذ إنّ حقیقة التحيّة هو بسط الأمن والسلام بين الناس.
ضرورة حفظ حریم البیت
حسب تعالیم القرآن، یحتلّ البیت مكانةً عاليةً لدرجة أنّه ينصح الجميع باحترام خصوصیّته؛ يقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا}.[7]
يفيد الحصر في الآية المذكورة بأنّ الله یمنع من دخول بيت الآخرین بغير إذن وإلقاء تحیّة؛ وهو بذلك يحترم هذه الخصوصيّة ويعبّر عن ضرورة اتّخاذ ثقافةٍ صحيحةٍ وحميميةٍ في التعامل مع أهل البیت ويُعلّم الناس أنّ أفراد الأسرة يجب عليهم في علاقاتهم، بالإضافة إلى احترام جميع الشؤون الإنسانيّة في تعاملاتهم، والتعبير عن هذه الوحدة بألسنتهم کأقرب وأکثر وسیلة للتواصل، والسلام هي كلمة تحمل هذه الرسالة، فضلًا عن إیصالها تمنیات صاحبها بالصحّة والسلامة؛ لقد روي عن عدي بن ثابت، عن رجل من الأنصار قال: جاءت امرأة إلى النبي|، فقالت: «يا رسول اللّه، إنّي أكون في بيتي على الحالة التي لا أحبّ أنّ يراني عليها أحد، فيأتي الأب فيدخل عليّ، فكيف أصنع؟»، قال: «ارجعي»، فنزلت هذه الآية.
«تستأنسوا» أي: تستأذنوا، وإنّ الاستئناس هو طلب الأنس،[8] وهذا يعني أنّه لا یجوز للمرء دخول أي بیت غیر بیته قبل أن يتأکّد من وجود أهل البیت والاستئذان منهم للدخول؛ وعن ابن عباس أنّه قال: "هذا مقدّم  مؤخر، إنّما هو «حتّى تسلّموا وتستأذنوا» وأمروا أن يقولوا: «السّلام عليكم، أأدخل؟»، فالسلام مستحبّ والاستئذان واجب".[9]
وقد اشترط ضمن الآية 28 من سورة النور، في دخول أي بیت إذن صاحبه؛ {فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ[10] وبالإضافة إلى هذا الحكم العامّ، ففي الآية 53 من سورة الأحزاب، قد مُنع دخول بيت النبي دون إذنه| بوجهٍ خاصٍّ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ}.
تعريف الأسرة من منظور القرآن
الأسرة هي وحدة اجتماعيّة تهدف بحسب القرآن إلی توفير الصحة النفسيّة لثلاث مجموعات: الزوجین والوالدین والأولاد، کما تهدف إلی إعداد أفرادها للتعامل مع الظواهر الاجتماعيّة ومواجهتها.
وقد قال الله تعالی في الآیة 74 سورة الفرقان: {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا}؛ تشير هذه الآية إلى أهمّيّة الأسرة وریادتها في تكوين مجتمعٍ بشريٍّ نموذجيٍّ؛ حيث إنّها تعرض روابط عائليّة سالمة ومشرقة باعتبارها المثل الأعلى للمتقین.
إنَّ الوالدين عنصران مهمّان ضمن الوحدة الاجتماعيّة للأسرة، بوصفهما نموذجین يَحتذي بهما الأطفال منذ ولادتهم، ويكمن دور الأسرة ومعنى أهمّيتها في تحسين أوضاع البشر في هذه الحقيقة، في نظر قادة الدين، تعتبر معتقدات الآباء ونمط حياتهم وعاداتهم ورغباتهم وأهدافهم من بين أهمّ العوامل المؤثّرة في ذریّتهم؛ لذلك فإنّ نوعيّة سلوك الوالدين في التنسیق بين طلباتهما ورغباتهما من جهة ورغبات الأسرة ومتطلبات المجتمع من جهة أخرى، وكذلك جهودهما المستمرة لضمان الرفاهيّة والصحّة النفسیّة للأسرة وکیفیّة تعاملهما مع الواجبات الدينيّة والاجتماعيّة هي من بين العوامل التي تخلق جوهر التعاون والتضامن الاجتماعي لدی الأولاد.
ترتكز قيمة الأسرة أوّلًا وقبل كلّ شيء على المحبّة والصداقة بين أفرادها؛ الأفراد الذين جمعتهم الحقوق المتبادلة تحت سقفٍ واحدٍ، وإذا استمرّ هذا الاجتماع على أساس الصداقة والتفاهم ورفض الأنانیّة، فسيؤدّي إلى الكمال الإنساني المنشود، وأمّا الأسرة في القرآن فهي مدرسة حبٍّ وصداقةٍ؛ لقد جاء في الآية 21 من سورة الروم: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}؛ وفي هذه الآية ثمّة نقاط مهمّة حول الأسرة تستحقّ الدراسة:

(من أنفسکم أزواجًا): بناءً على هذا التعبیر، فإنّ العلاقة بين الزوج والزوجة هي أحد الجوانب المهمّة للأسرة، وكما أسلفنا أنّ الإنسان كائنٌ اجتماعيٌّ يعتمد نموّه ورشده وتکامله على إقامة علاقات مع الآخرين، ومواجهة صعوباتٍ ومشاكل في هذا المسار؛ لأنّ الطريق إلى الكمال لا نهاية له، وفي كلّ مرحلةٍ من مراحل الحياة والکمال، هناك سلسلة من الحاجات الداخليّة الخاصّة التي تظهر أثناء العلاقة مع الآخرين وهي انعكاس لحاجة الإنسان الداخليّة نحو میوله ومُثُله، إنّ العلاقة بين الزوجین ما هي إلّا صلة صداقةٍ محضةٍ دون أي دافع آخر؛ فمن خلال تکوین الأسرة يتمّ الكشف عن نقاط الضعف والقوّة الکامنة في شخصيّة الإنسان في مأمنٍ من أيّ هاجسٍ أو تحفّظٍ، والأسرة هي بيئة يمكن فيها معالجة المشاكل بطريقةٍ طبيعيّةٍ أكثر من أيّ مكانٍ آخر؛ لأنّه بالتسامح والمحبّة والوفاء والثقة المتبادلة بين الزوجین تتوافر أرضیّة الکشف عن السلبيّات الشخصيّة وفحصها والتخلّص منها من خلال تحسين الذات؛ لذلك فإنَّ الرجس الباطني في نظر الإسلام أسوأ من الرجس الظاهري، وإنّما الأسرة هي البيئة التي يوجد فيها احتمال ظهور جوانب سلبيّة في الشخصيّة دون خوفٍ من عواقبه، فيمكن من خلالها التخلّص من نقاط الضعف هذه. وباختصار يمكن الوصول إلى أصعب المقاصد من خلال قوّة الحبّ والعاطفة.
(لتسكنوا): السُكنی هو نیل مقام السکينة والاستقرار، وهذا التعبیر القرآنيّ يشير إلى حقيقة أنّ السکن هو عبارةٌ عن مقامٍ ومكانةٍ لابدّ للمرء من الوصول إلیها في عالم الوجود ومن منظار القرآن؛ فإنّ واجب الأسرة هو تمهید أرضیّةٍ لهذا الهدف المنشود سواء للوالدین أم ذریّتهما.
(وجعل بینکم مودّة): النقطة الثالثة المهمّة في الأسرة هي وجود الحبّ بين الزوجین؛ إذ لا ینال الأزواج السکینة والاطمئنان إلّا بالتعامل الودي والتعامل في سبيل معرفة النفس ومعرفة الله، والسیر في الوادي الإلهي الآمن؛ وهذا هو سرّ استخدام العبارة (لتسکنوا إلیها) في الآية الكريمة.
(ورحمة): هي مبدأ اللطف؛ فإنَّ تآلف الزوجین وتعاونهما بقوّة العشق والمحبّة في منحی الكمال يجلب الرحمة والمودّة لأفراد الأسرة وغیرهم؛ لذلك فإنّ العلاقة السالمة والصحیحة هي التي توفّر أرضیّةً مناسبةً لإقامة علاقةٍ مسؤولةٍ ودائمةٍ، وهذا ما يأخذه الیافعون في بدایة مشوارهم مثالًا عملیًّا لهم، وينظرون إليها على أنّها نموذج يُحتذى به في علاقاتهم المستقبليّة مع المجتمع الإنسانيّ.

إنّ عواقب سلوك الوالدين (تجاه بعضهما البعض) هي أهمّ من دورهم المحسوس في التعامل مع الأولاد؛ فإنّ أسلوب تعامل الوالدين بعضهما مع بعض يبني حجر الأساس في الشخصيّة النفسيّة للأولاد، والتي إن صحّت جلبت الرحمة، والمراد من التوافق والتفاهم بين الأزواج هو بذل مزيد من الجهد نحو الرشد المتبادل والتکامل رغم الاختلافات الطبيعيّة والذاتيّة، وليس مجرّد التسامح بينهما، فکما أنّ هناك سلسلة من الفوارق الجسدیّة بين الرجل والمرأة، هناك فوارقٌ روحیّة ونفسیّة بینهما أیضًا، كما تشير إلیها الآية الکریمة: {وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى * إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى}،[11] وبالنظر إلی أمزجة الناس المختلفة والتفاوت في شخصیّاتهم، فهذا التشتّت المشار إلیه لیس مجرّد اختلافٍ جسديٍّ، ولا علاقة له بالأنوثة والرجولة، بل إنّ الظروف الاجتماعيّة والأسرة والثقافة هي العناصر المؤثّرة التي تبني شخصيّة الإنسان وتخلق ثنائيّات في سلوك الرجل والمرأة وتعاملهما  بعضهما مع بعض، وهاهنا تتحدَّد مهمّة الأسرة، والتي تعني التفاهم والصداقة المتبادلة، للتعامل مع الرغبات والميول المختلفة والتفاعل معها كعناصر مكوِّنة لشخصيّة الإنسان.
وقد يتطلّب هذا الأمر الصدق والثقة والتواضع والتقوى وتجنّب الأنانیة، ويحث الأبناء على اتّباعها في علاقاتهم الاجتماعيّة مع الناس، بحيث یتقبّلون الفوارق الفرديّة والاجتماعيّة والثقافيّة للآخرين کمثل الفوارق بین والديهم، ویعتبرونها من عوامل التکامل؛ وهذه النظرة (الإیجابیّة) هي التي توفّر الأساس للتفاهم بين الأمم والتقریب بين المعتقدات المختلفة ويسبّب السلام والأمن على المستوى الدولي؛ فعلى الوالدين تربية أولادهم علی هذا المبدأ، ووفقًا لتوصیة الرسول الأكرم|، فإنّ الأبناء لیسوا من مِلك الوالدین، بل هم أمانة بأيديهم فعليهم رعايتهم؛ فإنّ الطفل بحاجة إلى محبّة والديه ولطفهما في رشده وتکامله، وأمّا المودّة والرحمة، فلهما أثران رئيسان:
الأوّل: تکوین الجوهر الأساس للتکامل وخلق الثقة والاطمئنان في روح الطفل.
الثاني: توفیر أرضیةٍ لانبثاق روح المودة والرحمة في علاقة الطفل مع غیره.
کما یحمل الأولاد أيضًا مجموعة من المسؤوليّات تجاه والديهم، فمن وجهة نظر القرآن ینبغي أن یتعامل الأولاد مع والديهم بالاحترام والمحبّة؛ فقد قال الله تعالى: {فلا تقل لهما أفّ}، وتجب رعاية الأولاد لوالديهم، كما قال سبحانه في سورة الإسراء: { وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا}.[12]
ولا شكّ أنّ هذه الدعوة إلی الاحترام لا يعني تشجیع الأولاد علی تقليد الوالدين واتباعهم دون تفكير؛ لأنّ هذا أمرٌ خاطئٌ من وجهة نظر القرآن، فمن منظور القرآن أنّه یجب على كلّ إنسان أن يميّز الطريق الصواب عن الخطأ، والهداية من الضلال، كما ورد في الآية 21 من سورة لقمان: { وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ}.
ومن ناحية أخرى، فإنّ التأکید المستمرّ على الدور المحوري للأسرة في رشد الأطفال وتنمية شخصيّتهم، یجب ألّا یفسَّر بطريقة توحي إلی (الانطباع الخاطئ) أنّ الشخص الذي بلغ رشده لا یزال یعجز عن التحوّل الوجودي والتکامل، کلّا بل إنّ الإنسان مسؤولٌ عن أفعاله بأيّة حال: { كلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ[13] وقال تعالی في الآیة ۲۱ من سورة الطور: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ}.
ورغم دلالة القرآن الواضحة على المساواة بين الرجل والمرأة، مع الأسف أنّ المرأة تتعرّض في بعض المجتمعات الإسلاميّة للاضطهاد في الأسرة أو على مستوى المجتمع؛ طبعًا هذا لا يعني أنّ وضع المرأة أفضل في الدول الأوروبيّة وهي تتمتّع فیها بوضعٍ إنسانيٍّ لائقٍ، بل المرأة تضطهد هناك أيضًا لكن بطريقة مختلفة؛ فمن أسباب اضطهاد المرأة آليات المجتمع والمعتقدات السائدة في المجتمعات البشریّة، والسبب الآخر هو أنّ المرأة عبر التاريخ، لم تراجع مباشرة النصوص لفهمها وتفسيرها إثباتًا لحقوقها، بل في معظم الحالات تركت هذه الوظیفة للرجال.
وعلى الرغم من الفوارق الفسيولوجية بین الرجل والمرأة، إلا أنهما متساویان في‌ الإنسانيّة روحیًّا ومعنویًّا: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ[14] فمن منظار الإسلام مادام أنّ الإنسان حرّ من قیود التجاذبات والتعلّقات المادّیّة فهو يسیر نحو الكمال والرشد المعنوي، وهذه القابلیّة (نیل الکمال) متوفّرة في كلا الجنسين، ذکرًا کان أم أنثی؛ فإنَّ الاعتماد على مبدأ الجنس في حقوق الأسرة؛ حيث لا تنحصر قيمة الارتباط والاتّحاد في دائرة العلاقات الفيزيولوجيّة الضیقة يؤدّي إلى تخلّف المرأة.
وبالنظر إلى هذه الحقيقة - أي التمييز وعدم المساواة بين الرجل والمرأة في بعض الأسر المسلمة - ذهبت مجموعة من النقاد المتحيزين في الغرب والشرق، إلی القول بأنّ حقوق المرأة في الإسلام أقلّ من حقوق الرجل، ويمكن ذكر ردّ على ذلك بالقول إنّ نتائج بحوثنا وقراءتنا للإسلام والقرآن تشیر إلی واقع آخر، ونحن ننظر إلى القرآن على أنّه مجموعةٌ متماسكةٌ ومتٌسقةٌ، کما صرّح القرآن بالذات أنّ بعض آياته محکماتٌ وبعضها متشابهات، فلا یمکن فهم بعض من الآيات وتفسيرها إلّا في ضوء آیات أخری، فنحن نستخدم الطريقة التالية لتنظيم حقوق الأسرة بشكلٍ عادلٍ:

فمن منظار القرآن، إنّ الرجل والمرأة متساویان في الخلق؛ وقد جاء في الآية الأولى من سورة النساء: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً}.
إنّ فرص تحقیق مراحل الرشد والكمال الإنساني سواسية للذکر والأنثی؛ وفي هذا السياق تقول الآية 13 من سورة الحجرات: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ...}.
إنّ الرجل والمرأة متساویان من حیث الأجر والثواب؛ وفي هذا السياق وردت الآية 35 من سورة أحزاب وهي جديرة بالملاحظة؛ فمن أجل تحقیق هذه المجالات الثلاثة التي ذكرها القرآن مرّات عديدة بشکلٍ عادل، فمن الضروري توفير شروط الرشد والكمال للرجل والمرأة على حدٍّ سواء.

ويدعو القرآن في أغلب الأحيان الناس إلى التدبّر والتفكّر والتأمّل في القضايا المتعلّقة بالإنسان والطبيعة، ويشجّعهم على فهم الآيات الإلهيّة والإنصات إليها والاعتبار بها، ویذکر القرآن الإيمان والعمل الصالح بجانب بعضهما البعض کأمرین مترادفین؛ وهل يمكن تجاهل عنصرَي الزمان والمكان في العمل الصالح؟ ومن المعلوم أنّه قبل طلوع فجر الإسلام لم يكن هناك للمرأة حقّ؛ فکانوا یئدون البنات أحیاء وكان للرجل الحق في الزواج بأي عدد يشاء؛ فأصبحت تعاليم الإسلام الحامیة لحقوق المرأة حينذاك کظاهرةٍ جديدةٍ ومتقدّمةٍ تمامًا بالنسبة لذاك العصر؛ لأنّ دين الإسلام جاء لتغییر الإنسان وتنمیته، وأفضل طريقة لتحقيق هذا الهدف هو التغيير التدريجي؛ إذ إنّ التغيير الدفعي وطمس التقاليد والعادات الاجتماعيّة بین لیلةٍ وضحاها لم يكن صحيحًا ولم يكن مفيدًا، أمّا اليوم - وفي ضوء تلکم الحقائق القرآنيّة التي تؤکّد على المساواة في القيمة الوجوديّة بين الرجل والمرأة ودعوة الناس إلى التفكير والتأمّل في آيات الله البیّنات واستخلاص النتائج والنصائح الحكيمة منها - فیمکن القول إنّ حقوق الرجل والمرأة في‌ الأسرة متساوية، والمعیار في‌ إدارة کلّ منهما في شؤون الأسرة هو التقوى والاستحقاق وليس الجنس.
وهنا يجب أخذ نقطةٍ أخرى في الاعتبار، وهي أنّه إذا لم يتمكّن الرجل والمرأة من نیل التفاهم والتقارب المتوقَّعين، وابتعدا بعضهما عن بعض بسبب الخلافات الناجمة عن نوع علاقتهما وسلوكهما، تأذن الشریعة الإسلامیّة في مثل هذه الحالات بالطلاق کآخر حلٍّ مع الکراهیّة.
الأسرة المثاليّة من منظار القرآن
إنّ أسس الأسرة تدلّ بدورها على قيمتها الروحيّة وقداستها؛ لأنّ القرآن الكريم يعتبر الأسرة مؤسّسة مقدّسة قائمة على عدّة أركانٍ معنويّةٍ، منها السکن والطمأنينة، والمحبة والمودة، والشفقة والرحمة، والتعاون، وهي تتضمّن الأنس والألفة في طیاتها.
الحبّ أساس الأسرة
إنّ أمعنَّا النظر وفكّرنا ملیًّا لَفهمنا بوضوح أنَّ الحب ليس ركنًا من أركان الأسرة فحسب، وأنّما يلعب دورًا لا مثيل له في القوام والبقاء والتوازن بين الأسس الأخرى لدرجة أنّه يمكن القول إنّ الحبّ هو «روح العائلة» أو أنّ الأسرة هي «ملاذ الحبّ وعُش المحبّة»، ویستدلّ العلماء بهذه الآیة {خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً[15] وکذلك هذه الآیة: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا[16] علی أنّ أساس العلاقات الاجتماعيّة داخل الأسرة من الصداقة والتفاهم والتعاون، إنّما هي مجبولة ومعجونة بإکسیر الحب؛ ومن هذا المنطلق فإنّ الإشارة إلى النفس الواحدة في الآية الأولی من سورة النساء تدلّ على حقيقةٍ، وهي أنّ مؤسّسة الأسرة هي ظرف لتکامل الروح وسعادة الإنسان من ذکرٍ أو أنثی حتّى الوصول إلى قمّة الكمال الإنساني، فلا الرجل كاملٌ وحده ولا المرأة، ولا یمکنهما نیل العُلی إلّا من خلال التقارب والتلاحم والتعایش ضمن الحدود المقرّرة في نظامٍ خاصٍّ يسمّى مؤسّسة الأسرة، وهي منطلق السير نحو الكمال.
ومُستقرّ الإنسانيّة هو الجانب المعنوي للإنسان؛ حیث یتّحد فیه الناس ويمكنهم التعایش بشكلٍ صحيحٍ (كما أمر الله)، والغایة من الحياة ومصیرها المؤدّي إلی فلاح المرء أو هلاكه رهن التعامل مع الناس الآخرين؛ فإنّ مخالطة الناس والتعايش معهم هو الذي يعطي معنًى لجميع المقولات المطروحة والقابلة للفهم في ساحة الحياة، فلا تجد أيّ معنى لمصطلحاتٍ کالخير والشر، والسعادة والشقاوة، والسکينة والاضطراب إلّا أثناء التعامل والاحتكاك في العلاقات الإنسانيّة؛ لهذا فإنّ الإنسان کائن اجتماعيّ، وليس لديه خيار سوى العيش في المجتمع.
فأوّل مجتمعٍ یجربّه الآدمي في حیاته ویتعلّم فیه كيفيّة العیش في مجتمعٍ إنسانيٍّ والتعاون والتعايش مع سائر الناس، كما تتطلب الطبيعة البشريّة هو الأسرة، وهکذا تتکوّن النواة الأولی للمجتمع الإنساني، فإذا شبّهنا المجتمع البشريّ بجسدٍ واحدٍ، فيمكننا اعتبار الأسرة أوّل خليّةٍ مولّدة لها.
وبناءً علی هذه الفلسفة الوجوديّة، يقول المفكرون إنّ:
الأسرة هي مدرسةٌ مناسبةٌ لتنمية الإنسان وتنشئته الاجتماعيّة، ومأوى وملاذٌ آمن له في سبيل مواجهة صعوبات العيش في المجتمع الإنساني ومعاشرة الناس والتواصل مع الغیر من خلال استخدام الأدوات والإمکانات الضروريّة الموجودة في مؤسّسة الأسرة، ممّا یوفّر له سائر أفراد الأسرة.
ومع هذا التضامن الأخلاقيّ والحقوقيّ، یحتلّ الشعور بالواجب تجاه الآخر موقعًا أكثر أهمّيّةً من الرغبات والحاجات الجنسيّة في العلاقة الزوجیّة، وبهذا الحافز يمكن للزوجین مزج الحبّ بالأخلاق لخلق بيئة مواتية للنمو الجسدي والارتقاء الروحي والمعنوي لأولادهما.
إنَّ ماهية الأسرة هي أن تأخذ المشاعر والعواطف مركزها الأول فيها، وكما يقول أحد الخبراء: «طبيعة الأسرة لا تنسجم أبدًا مع القوانين والأحکام القسريّة»، والقانون ليس له تأثيرٌ یُذکر في تنظیم الأسرة، بینما کانت أبواب الأسرة مفتوحة دائمًا للقيم الدينيّة والأخلاقية؛ لأنّ حديقة الزهور المتعطشة للضوء وأشعة الشمس، لا تستمد حياتها من الشمس فحسب، وإنّما يتوقّف تدفّق طاقتها واستمرار بقائها على ضوئها المشرق.
يوضح الشيخ الرئيس أبو علي سينا ​​من خلال رسالةٍ مكانة الأسرة وأهمیتها وأركانها وكيفيّة العلاقات بين الزوجين وكذلك الوالدين والأولاد، وهي مسمّاة بـ «تدابیر المنازل أو السیاسات الأهلیذة» وقد طبعت مرّة بعنوان «في‌ السیاسة المنزلیة»، وقد رسم فيها صورةً واضحةً للأسرة المثالية بشأن تربية الأولاد الصالحین، والتي هي أساس بناء مجتمعٍ صالحٍ.
وقد أكّد الحکیم ابن سينا في شرحه لأهداف الأسرة المثالية القائمة على المعايير الأخلاقيّة والعاطفيّة المتحوّرة حول الدين، ​​على ثلاثة دوافع اقتصاديّة واجتماعيّة وعاطفیّة (السکون والمودة)، ویقول في تبرير الدافع الأول: «إنّ الإنسان يحتاج إلى مسکنٍ لحفظ أمواله وادّخارها لوقت الحاجة، وزوجته هي خیر شريكةٍ وصاحبةٍ له في هذا الصدد»؛ ووفقًا لوجهة نظر ابن سينا​​: فإنّ الزوجة الصالحة هي شريكة الرجل، ومحافظة علی ماله، وخليفته في بيته، ومؤتمنه في تربية الأبناء.
وقد وصف ابن سينا ​​الزواجَ في "الشفاء، باب الإلهیّات" علی أنّه «خير أركان المدينة»، وقال في شرح الدافع الاجتماعي لتكوين الأسرة:
یحتاج الوالدان إلی أولاد لمساعدتهما في حالة العجز والشيخوخة، وإدامة نسلهما، وإحیاء ذکرهما بعد الموت.
ووفقًا لابن سينا​ لا يتحقق السکون الداخليّ والطمأنينة إلّا في ظلّ الزواج واختيار الزوج، وهذه النقطة تُظهر بجلاء تأثُّر ابن سينا بتعالیم القرآن الکریم.[17]
ونظرًا لمكانة الأسرة المهمّة في الإسلام، فقد خصّصنا هذا العدد من مجلة المصطفى| لهذا الموضوع.
 
[1].  النحل: 80.
[2].  مفردات الراغب، مادة «سکن».
[3]. الأحزاب: 34.
[4]. النور: 36.
[5]. الطباطبائي، تفسير الميزان: 15/178- 179.
[6]. النور: 61.
[7]. النور: 27.
[8]. مفردات الراغب، مادة (أنس).
[9]. تفسير الميبدي: 6/509.
[10]. النور: 28.
[11]. الليل: 14.
[12]. الإسراء: 23-24.
[13]. المدثر: 38.
[14]. الحجرات: 13.
[15]. الروم: 21.
[16]. الأعراف: 189.
[17]. مقتبس من مقال «خانواده از منظر قرآن» ]الأسرة من منظور القرآن[ للسيدة عذرا طباطبائي حكيم.